التقييم النصفي لبرنامج “أرضي” واستجابة البنك الدولي: تقدم محرز وتحديات قائمة

التقييم النصفي لبرنامج “أرضي” واستجابة البنك الدولي: تقدم محرز وتحديات قائمة

تلعب المتابعة والرصد المستقلان دورًا مهمًا في تعزيز نتائج التنمية. فمن خلال تقديم تقييم خارجي لكيفية تنفيذ المشروعات، تستطيع منظمات المجتمع المدني رصد ما تحقق من تقدم، وتسليط الضوء على تحديات التنفيذ، وتقديم توصيات تساعد على جعل التنمية أكثر فعالية وشمولًا وخضوعًا للمساءلة. ولا يقل عن ذلك أهمية استعداد الحكومات والمؤسسات الممولة والجهات المنفذة للتفاعل مع هذه النتائج، وتوضيح مواضع الاختلاف، وتحديد فرص التحسين.

في كانون الثاني/يناير 2026، أنجز أعضاء تحالف آراب ووتش في الأردن، وهم مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، وجمعية دبين للتنمية البيئية، ومركز الحياة – راصد، تقييمًا نصفيًا أوليًا لبرنامج الزراعة المرنة وتنمية سلاسل القيمة والابتكار «أرضي» في الأردن. ويبلغ إجمالي تمويل برنامج «أرضي» 125 مليون دولار أمريكي، من خلال حزمة تمويلية عبر البنك الدولي تشمل قرضًا بقيمة 95.6 مليون دولار، وتمويلًا بقيمة 23.9 مليون دولار من مرفق التمويل الميسر العالمي، ومنحة بقيمة 5.5 مليون دولار من مبادرة الشراكة لتحسين الآفاق المستقبلية. وتنفذه الحكومة الأردنية من خلال وزارة الزراعة. وقد تناول التقييم تنفيذ البرنامج خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى منتصف عام 2025.

وفي حزيران/يونيو 2026، أرسل البنك الدولي استجابة مكتوبة رسمية للتقييم، تناول فيها نتائجه وتوصياته نقطة بنقطة.

وتتيح قراءة التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي معًا فرصة مهمة لفهم كيف يمكن للمتابعة والرصد من جانب المجتمع المدني أن يفتحا مساحة للتفاعل المؤسسي البنّاء، وتوضيح نقاط الاختلاف، والحوار القائم على الأدلة، حتى عندما تختلف التقييمات أو القراءات.

ولا يسعى هذا المقال إلى ترجيح قراءة على أخرى، أو تحديد أي منهما “أدق”. بل يقدم قراءة متوازنة للتقييم واستجابة البنك الدولي جنبًا إلى جنب، بهدف إبراز نقاط التقاطع بينهما، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد منظمات المجتمع المدني في متابعة المشروعات، والجهات المنفذة في تحسين التنفيذ، والنقاش الأوسع حول الممارسة التنموية. وبدلًا من النظر إليهما كقراءتين متعارضتين، يمكن فهم التقييم والاستجابة كمنظورين متكاملين يقدمان معًا صورة أوسع عن مسار تنفيذ البرنامج.

برنامج يستند إلى أولويات وطنية

رغم اختلاف زاوية النظر والمنهجية وطريقة قراءة النتائج، يلتقي التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي عند نقطة أساسية: أن برنامج أرضي يعالج أولوية وطنية مهمة في الأردن.

فكلاهما يشير إلى ارتباط البرنامج بأولويات الأردن في الزراعة وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي، وإلى استجابته لتحديات ملحة مثل شح المياه، وتراجع الإنتاجية الزراعية، وهشاشة سبل العيش في المناطق الريفية. فقد أكد التقييم المستقل مواءمة البرنامج مع الخطة الوطنية للزراعة المستدامة، بينما ركز البنك الدولي في استجابته على أهمية البرنامج وارتباطه بالأولويات الوطنية وملكيته الأردنية.

ومن هنا، لا يدور النقاش حول ما إذا كان البرنامج يتناول الأولويات الصحيحة، بل حول مدى نجاحه في ترجمة هذه الأولويات إلى تنفيذ فعّال، وما الذي يمكن تعزيزه خلال الفترة المتبقية من عمر البرنامج.

التقدم المحرز حتى الآن

بعد إبراز ارتباط البرنامج بأولويات الأردن التنموية، ينتقل النقاش إلى ما تحقق على مستوى التنفيذ. وهنا يلتقي التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي عند نقطة مهمة: فكلاهما يشير إلى أن برنامج «أرضي» أحرز تقدمًا ملموسًا، رغم اختلافهما في تقييم بعض جوانب التنفيذ أو في قراءة الأدلة المتاحة.

يسجل التقييم المستقل تقدمًا في عدد من الجوانب المؤسسية والتنفيذية للبرنامج، من بينها تحسن التنسيق داخل وزارة الزراعة، والاستثمار في بنية حصاد مياه الأمطار، وتحديث الخدمات الزراعية والمشاتل، وتعزيز بعض القدرات الفنية، إضافة إلى التقدم في عدد من التدابير المرتبطة بالاستدامة البيئية. وتشير هذه الجوانب إلى أن البرنامج بدأ يساهم في دعم القطاع الزراعي الأردني في مجالات متعددة.

أما البنك الدولي، فقدم في استجابته بيانات وتوضيحات إضافية بشأن التنفيذ، معتبرًا أن بعض استنتاجات التقييم لا تعكس بالكامل نتائج التنفيذ الموثقة في تقارير حالة التنفيذ والنتائج الصادرة في تموز/يوليو 2025 وآذار/مارس 2026. كما تضمنت الاستجابة معلومات إضافية حول تطوير البنية التحتية، والإصلاحات المؤسسية، وتقديم الخدمات، وبناء القدرات، والوصول إلى المستفيدين، إلى جانب توضيحات بشأن هيكل تمويل البرنامج، و الإطار البيئي والاجتماعي، وإطار النتائج.

وعند قراءة التقييم والاستجابة معًا، تظهر صورة أكثر توازنًا: فقد حقق برنامج «أرضي» تقدمًا قابلًا للقياس، في وقت لا يزال فيه التنفيذ يتطور مع تقدم البرنامج. كما تذكّر هذه القراءة بطبيعة التقييمات النصفية، فهي ترصد البرنامج في لحظة محددة من مساره، بينما يستمر التنفيذ وتتطور معه الأدلة والبيانات التي يمكن الاستناد إليها في تقييم الأداء.

ولذلك، يمكن للقراء الراغبين في الاطلاع على التفاصيل الكمية ومؤشرات التنفيذ والأدلة الداعمة الرجوع إلى كل من التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي، إذ يقدم كل منهما قراءة مفصلة من زاويته الخاصة.

فرص لتعزيز التنفيذ

حدد التقييم المستقل عدة مجالات يمكن تعزيزها خلال الفترة المتبقية من عمر البرنامج. ورغم أن البنك الدولي اعترض على بعض استنتاجات التقييم أو طريقة تفسيرها، فإن استجابته قدمت سياقًا إضافيًا وأدلة محدثة، كما أقرت في عدد من المواضع بوجود تحديات تنفيذية مشابهة، وإن من زاوية مختلفة. وعند قراءة التقييم والاستجابة معًا، تبرز مجموعة من المجالات التي يتطلب تحسينها متابعة واهتمامًا مستمرين.

الأنظمة البيئية والاجتماعية. خلص التقييم إلى أن متطلبات الإطار البيئي والاجتماعي لم تُدمج بعد بصورة متسقة في ممارسات الجهات المنفذة، ولا سيما في ما يتعلق بالصحة والسلامة المهنية، وإشراك أصحاب المصلحة، وآليات التظلم. في المقابل، أوضح البنك الدولي أن تقدمًا مهمًا تحقق في إدماج المتطلبات البيئية والاجتماعية ضمن الأنظمة الوطنية الأردنية، من خلال إجراءات تشغيلية، وإصلاحات تنظيمية، وتدريب، وترتيبات مؤسسية. وفي الوقت نفسه، أقر بأن الاتساق في الإشراف والتطبيق، خصوصًا في الأنشطة الميدانية التي تشمل عمالًا متعاقدين، لا يزال بحاجة إلى مزيد من التعزيز. ويؤكد ذلك أهمية ضمان ترجمة الأنظمة البيئية والاجتماعية إلى ممارسات فعلية طوال فترة تنفيذ البرنامج.

إشراك أصحاب المصلحة. أشار التقييم إلى وجود فجوة بين إطار إشراك أصحاب المصلحة كما ورد في تصميم البرنامج، وبين تطبيقه على أرض الواقع. وخلص إلى أن التواصل مع المجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والتعاونيات الزراعية لا يزال محدودًا، وأن المشاركة تعتمد في كثير من الأحيان على قنوات إدارية تقليدية، بدلًا من آليات تشاركية منتظمة. ومن جهته، أقر البنك الدولي بأن مستوى وجودة إشراك أصحاب المصلحة يختلفان من موقع إلى آخر، وأن التواصل المنظم مع المجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والتعاونيات، والفئات الأكثر هشاشة يحتاج إلى مزيد من التعزيز. كما أشار إلى جهود تبذلها وزارة الزراعة لتحسين التنسيق والتواصل والمشاركة الشاملة. وبذلك، يبرز إشراك أصحاب المصلحة كأحد المجالات التي يمكن أن يساهم العمل عليها في تحسين تنفيذ البرنامج.

آليات التظلم. خلص التقييم إلى أن آليات التظلم موجودة رسميًا، لكنها لا تعمل في الممارسة بالشكل المطلوب. كما أقر البنك الدولي بوجود تحديات تنفيذية تتعلق بوعي المستفيدين بهذه الآليات، وسهولة الوصول إليها، وتعدد القنوات المؤسسية، وتتبع الشكاوى والإبلاغ عنها، مع الإشارة إلى جهود جارية لتعزيز هذه الآليات. وتشير قراءة التقييم والاستجابة معًا إلى أن آليات التظلم ومعالجة الشكاوى تبقى مجالًا يحتاج إلى اهتمام مستمر حتى تصبح أكثر وضوحًا وفعالية وسهولة في الوصول.

الرصد والأدلة. دعا التقييم إلى تعزيز أنظمة الرصد والمتابعة بما يسمح بقياس النتائج والآثار طويلة الأمد بصورة أفضل. في المقابل، أوضح البنك الدولي أن بيانات إضافية حول النتائج والمؤشرات المصنفة متاحة بالفعل من خلال إطار نتائج البرنامج وتقارير حالة التنفيذ والنتائج المنشورة، وأن بعض النتائج يتوقع أن تظهر في مراحل لاحقة من التنفيذ. ورغم اختلاف التقييم والاستجابة في تقدير مدى كفاية الأدلة المتاحة، فإنهما يشيران معًا إلى أهمية الرصد الموثوق والتقارير الشفافة في تقييم تقدم التنفيذ وتوجيه القرارات المقبلة.

أهمية المتابعة والرصد المستقلين

ربما يكون الدرس الأهم من التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي ليس قبول كل استنتاج أو الاعتراض عليه، بل قيمة الحوار الذي فتحته هذه العملية.

غالبًا ما يُنظر إلى المتابعة والرصد المستقلين بوصفهما وسيلة لتحديد فجوات التنفيذ أو مساءلة المؤسسات. وهذه أدوار مهمة بالفعل، لكن قيمتهما تتجاوز ذلك. فهما يساهمان في إنتاج أدلة مستقلة، وإدخال وجهات نظر المجتمعات المحلية في النقاشات المتعلقة بالسياسات، كما يتيحان للجهات المنفذة فرصة توضيح البيانات، وشرح القرارات، والرد على المخاوف، والعمل على تحسين التنفيذ.

وتعكس استجابة البنك الدولي هذه الديناميكية. فإلى جانب اعتراضه على بعض جوانب منهجية التقييم أو تفسيراته، قدم البنك الدولي أيضًا أدلة محدثة حول التنفيذ، وشرح عددًا من الإصلاحات الجارية، وأقر بوجود مجالات لا يزال العمل عليها ضروريًا، بما في ذلك إشراك أصحاب المصلحة، وآليات التظلم، والأنظمة البيئية والاجتماعية، والقدرات المؤسسية. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع كل نقطة وردت في الاستجابة، فإن هذا التبادل بحد ذاته يساهم في تعزيز الشفافية والمساءلة والتعلّم.

بهذا المعنى، تفتح المتابعة والرصد المستقلان مساحة للتفاعل المؤسسي البنّاء وتعزيز المساءلة. فهي تشجع الجهات المنفذة على التعامل مع الأدلة الخارجية، والتفكير في تحديات التنفيذ، وبيان كيفية معالجة القضايا التي جرى تحديدها. كما أن الطابع التفصيلي لاستجابة البنك الدولي يشير إلى أن التقييم دفع باتجاه نقاش مؤسسي جاد حول قضايا ربما لم تكن لتحظى بالقدر نفسه من الاهتمام العلني والمنهجي.

وبالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، تؤكد هذه التجربة درسًا مهمًا آخر: المتابعة والرصد ليسا غاية في حد ذاتهما. فقيمتهما تكمن في إنتاج أدلة موثوقة، وتشجيع الحوار، والمساهمة في تحسين التنفيذ طوال عمر المشروع.

التطلع إلى المرحلة المقبلة

يُنفذ برنامج «أرضي» في سياق زراعي شديد التأثر بندرة المياه، ويتعامل مع تحديات أساسية لمستقبل التنمية في الأردن، من بينها التكيف مع التغير المناخي، وتعزيز تنافسية القطاع الزراعي، ودعم سبل العيش في المناطق الريفية. وفي مثل هذا السياق، لا تقل جودة التنفيذ أهمية عن جودة التصميم.

ويظهر التقييم المستقل واستجابة البنك الدولي أن الانخراط حول نتائج المتابعة والرصد ليس حدثًا لمرة واحدة، بل عملية مستمرة. فالمتابعة والرصد المستقلان يساعدان على تحديد تحديات التنفيذ وإبراز وجهات نظر المجتمعات المحلية، بينما تتيح الاستجابات المؤسسية تقديم أدلة إضافية، وتوضيح نقاط الالتباس، وشرح الإجراءات التصحيحية الجارية. ومن خلال هذا التفاعل، تصبح الصورة أكثر اكتمالًا حول أداء المشروع ومسار تنفيذه.

وبالنسبة إلى تحالف آراب ووتش، تؤكد هذه التجربة أهمية الانخراط البنّاء والقائم على الأدلة. فالاعتراف بالتقدم المحرز وتحديد تحديات التنفيذ ليسا هدفين متناقضين، بل متكاملين. فكلاهما يساهم في تعزيز التنفيذ، وضمان أن يحقق تمويل التنمية فوائد ملموسة ومستدامة للمجتمعات التي صُممت هذه المشروعات من أجلها.

ومع انتقال برنامج أرضي إلى مرحلته المقبلة، سيظل الحوار المستمر بين المؤسسات الحكومية، والبنك الدولي، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المتأثرة، عنصرًا أساسيًا للحفاظ على التقدم المحرز ومعالجة التحديات المتبقية في التنفيذ.

Sharing is caring!