بين الاوراق والواقع: استراتيجية البنك الدولي للهشاشة والصراع: هل آن الأوان لسماع الصوت المحلي؟

بين الاوراق والواقع: استراتيجية البنك الدولي للهشاشة والصراع: هل آن الأوان لسماع الصوت المحلي؟

في عالم تتصاعد فيه النزاعات وتتفاقم فيه الأوضاع الهشاشة، تزداد الحاجة إلى استجابات تنموية أكثر عمقاً واستباقية. وجاءت استراتيجية مجموعة البنك الدولي للتعامل مع أوضاع الهشاشة والصراع والعنف (2020-2025) كمحاولة طموحة لإعادة صياغة دور أكبر مؤسسة تنموية في العالم في أكثر البيئات تعقيداً. ولكنّ الفجوة بين النصّ والتطبيق تبقى واسعة، وهي مساحة يجب أن تملأها منظمات المجتمع المدني.

تُنشر هذه المدونة في لحظة حرجة تمرّ بها عملية مراجعة هذه الاستراتيجية، تمهيداً لإطارٍ استراتيجي جديد، مما يمنح المجتمع المدني ليس فرصةً فحسب، بل ومسؤوليةً كي يكون شريكاً استراتيجياً في هذه المراجعة المصيرية، وضماناً لترجمة التحديات الميدانية الملحة والدروس المستفادة إلى سياسات عملية. تهدف المدونة إلى تسليط الضوء على كيف يمكن لمجموعة البنك الدولي أن تفعل دور المجتمع المدني  في الاستراتيجية المقبلة كأداة قوية للتوعية والمناصرة، وتحويل الطموحات الواردة في الوثائق إلى أفعال تصل إلى من يستحقها أولاً.

أبرز ملامح الاستراتيجية الحالية:
لفهم سياق الاستراتيجية، من المفيد استعراض بعض المحاور الأساسية في الاستراتيجية الحالية:

اولًا: نقاط قوة يمكن البناء عليها:

  • التحول نحو الوقاية: تركز الاستراتيجية على معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل التفاوتات الاقتصادية والتمييز والإقصاء، بدلاً من الانتظار لحين انتهاء النزاعات للبدء في إعادة الإعمار.

  • المرونة والسياق: تنص الاستراتيجية على أنه “لا يوجد نهج واحد يصلح لجميع الحالات”، وهو ما يفتح المجال لتكييف البرامج مع خصوصية كل بلد وسياق محلي.

  • زيادة التمويل:  زيادة كبيرة في الموارد المخصصة للبلدان المتأثرة بالهشاشة والصراع، سواء عبر المؤسسة الدولية للتنمية أو غيرها من الآليات التمويلية.

  • إشراك القطاع الخاص: تشجع الاستراتيجية على حلول تجمع بين القطاعين العام والخاص لخلق فرص عمل وتعزيز النمو الاقتصادي في المناطق الهشة.

ثانياً: تحديات وتداعيات ميدانية:

  • صعوبة الترجمة الميدانية: رغم مرونة النص الاستراتيجي، تبقى التحديات قائمة في ترجمة المبادئ العامة إلى برامج فعالة تراعي الخصوصيات المحلية وتعقيداتها.

  • مخاطر الفجوة المعلوماتية: العمل في بيئات الهشاشة محفوف بمخاطر أمنية قد تحد من وصول فرق البنك إلى بعض المناطق، مما يخلق فجوة بين التصميم المركزي للمشاريع والواقع المحلي.

  • الحاجة إلى مساءلة محلية: تبقى آليات متابعة أداء المشاريع وضمان التزامها بالمعايير البيئية والاجتماعية بحاجة إلى تعزيز، خاصة على المستوى المحلي وبما يضمن وصول الخدمات لمستحقيها.

  • الشراكات الحساسة: فتح المجال أمام التعامل مع جهات أمنية وعسكرية يثير تساؤلات حول الضمانات الكافية لحماية حقوق الإنسان وعدم تحويل المساعدات التنموية إلى أداة في الصراع.

لماذا تُعد المراجعة الحالية للاستراتيجية لحظة فارقة؟

تمر استراتيجية البنك الدولي للهشاشة والصراع بمرحلة مراجعة شاملة، تمهيداً لاعتماد إطار جديد. هذه العملية تكتسب أهمية خاصة للأسباب التالية:

  • تراكم الخبرات: السنوات الماضية من التنفيذ كشفت عن دروس عملية وممارسات ناجحة وأخرى أقل نجاحاً، يمكن البناء عليها أو تجنبها.

  • تطور المفاهيم: تطورت المفاهيم المرتبطة بالهشاشة والصراع، وأصبحت أكثر تعقيداً وترابطاً مع قضايا المناخ والأمن الغذائي والنزوح والهجرة.

  • الحاجة إلى دمج الأصوات المحلية: المراجعة تتيح فرصة ثمينة لدمج وجهات نظر محلية كانت قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في الصياغة الأولى للاستراتيجية، مما يزيد من فرص نجاحها على الأرض.

أهمية إشراك منظمات المجتمع المدني ودورها الفاعل:

تمتلك منظمات المجتمع المدني موقعاً فريداً يؤهلها للعب دور محوري في تعزيز فعالية استراتيجية البنك الدولي، سواء في مرحلة المراجعة الحالية أو في مراحل التنفيذ المقبلة. ويمكن تلخيص هذه الأهمية في النقاط التالية:

أولاً: المعرفة المحلية والخبرة الميدانية:
تتمتع المنظمات المحلية بفهم عميق للسياقات المجتمعية والثقافية والسياسية التي تعمل فيها. هذه المعرفة الدقيقة تمكنها من:

  • تحديد العوامل الحقيقية المُحركة للهشاشة في مجتمعاتها، والتي قد لا تلتقطها التحليلات الكلية.

  • فهم الديناميات المحلية للصراع وشبكات العلاقات الاجتماعية المؤثرة فيه.

  • تقديم قراءة واقعية للتحديات والفرص المتاحة في كل سياق محلي.

ثانياً: القدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر تهميشاً:
تمتلك منظمات المجتمع المدني شبكات علاقات وثقة مجتمعية تمكنها من الوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً، والتي يصعب على المؤسسات الكبيرة الوصول إليها، مثل:

  • المجتمعات النائية والمتضررة من النزاعات.

  • النساء والفتيات في سياقات هشة.

  • النازحون داخلياً والمجتمعات المضيفة لهم.

  • الفئات المهمشة عرقياً أو اجتماعياً.

ثالثاً: دور الرقابة والمساءلة:
يمكن للمنظمات المحلية أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز شفافية وفعالية المشاريع الممولة من البنك الدولي عبر:

  • متابعة تنفيذ المشاريع على الأرض ورصد مدى التزامها بالمعايير البيئية والاجتماعية.

  • تقديم تغذية راجعة مستمرة حول أداء المشاريع وتأثيرها على المجتمعات المحلية.

  • الإبلاغ عن أي تجاوزات أو إخلال بالمعايير، مما يساهم في تحسين جودة التنفيذ.

رابعاً: تعزيز الاستدامة والتماسك المجتمعي:
تساهم المنظمات المحلية في ضمان استدامة التدخلات التنموية من خلال:

  • بناء جسور الثقة بين المجتمعات المحلية والمؤسسات الرسمية.

  • تعزيز آليات الحوار المجتمعي والمساهمة في حل النزاعات محلياً.

  • تمكين المجتمعات من امتلاك مشاريع التنمية والدفاع عن مكتسباتها.

فرص وتوصيات للمراجعة القادمة:

في ضوء ما تقدم، يمكن تقديم بعض الملاحظات التي قد تفيد في عملية المراجعة الجارية:

  • تعزيز آليات التشاور المحلي: إدراج آليات منهجية للتشاور مع منظمات المجتمع المدني في مراحل تصميم وتنفيذ وتقييم البرامج، وليس فقط في مرحلة الإطلاق.

  • تطوير مؤشرات أداء تشاركية: العمل مع المنظمات المحلية على وضع مؤشرات أداء تراعي الخصوصية المحلية، بحيث لا يقتصر قياس النجاح على معايير كمية جامدة، بل يشمل تأثير المشاريع على التماسك الاجتماعي والاستقرار المحلي.

  • تبسيط آليات الوصول للتمويل: النظر في تبسيط إجراءات حصول المنظمات المحلية على تمويل مباشر للمبادرات المجتمعية الصغيرة، خاصة تلك التي تثبت فعاليتها في منع الصراع وبناء السلام.

  • دعم بناء قدرات المنظمات المحلية: الاستثمار في برامج بناء قدرات منظمات المجتمع المدني لتمكينها من المشاركة الفاعلة في جميع مراحل دورة المشروع التنموي.

  • وضع ضوابط للشراكات الحساسة: تطوير إطار واضح وشفاف للتعامل مع الجهات الأمنية والعسكرية، يتضمن ضمانات صارمة لاحترام حقوق الإنسان، وآليات للرقابة المستقلة بمشاركة منظمات المجتمع المدني.

  • الاستفادة من آليات التغذية الراجعة: اعتماد تقارير وتقييمات المنظمات المحلية كمصدر موثوق لقياس أداء المشاريع وتأثيرها على الأرض.

خاتمة:

تمثل مراجعة استراتيجية البنك الدولي للهشاشة والصراع فرصة مهمة لتطوير أدوات التدخل في أكثر البيئات تعقيداً. إن إشراك منظمات المجتمع المدني في هذه المراجعة ليس مجرد إضافة شكلية، بل هو ضرورة منهجية لضمان خروج الاستراتيجية الجديدة بإطار أكثر فعالية واستجابة للواقع.

نجاح هذه المراجعة يعتمد بشكل كبير على مدى انفتاحها على استيعاب الدروس المستفادة من التجارب الميدانية، ومرونتها في التكيف مع السياقات المحلية المتغيرة، وقدرتها على بناء شراكات حقيقية مع الفاعلين المحليين الذين يمتلكون المعرفة والثقة والقدرة على الوصول إلى المجتمعات الأكثر هشاشة.

الرهان الأكبر يبقى على قدرة الاستراتيجية الجديدة على سد الفجوة بين الطموحات الكبيرة الواردة في النصوص والواقع المعقد على الأرض، وضمان أن تترجم السياسات الكبرى إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس في المجتمعات الأكثر هشاشة وتأثراً بالصراعات.

بقلم إيمي عقداوي و عمار الشوبي

Sharing is caring!