مجموعة البنك الدولي تضاعف رهانها على استراتيجية محفوفة بالمخاطر رغم ثغرات الحماية في التمويل الأصغر

مجموعة البنك الدولي تضاعف رهانها على استراتيجية محفوفة بالمخاطر رغم ثغرات الحماية في التمويل الأصغر

نُشر مقال «مجموعة البنك الدولي تضاعف رهانها على استراتيجية محفوفة بالمخاطر رغم ثغرات الحماية في التمويل الأصغر»، بقلم إيمي عقداوي، أولا باللغة الإنجليزية على موقع جست سيكيوريتي. (Just Security)

 

تكشف حالة مزارع أثقلته ديون التمويل الأصغر وانتحر قبل بضع سنوات في مقاطعة راتاناكيري النائية شمال شرقي كمبوديا، كيف انحرف نهج التنمية القائم على القطاع الخاص عن مساره. فقبل نحو عقدين، حمل التمويل الأصغر وعدًا بانتشال الناس من الفقر، وكان هذا الوعد وراء حصول أحد أبرز رواده على جائزة نوبل للسلام.

وقد وثّق هذه الأضرار تقرير نقدي من 142 صفحة، صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن مكتب مستشار الامتثال وأمين المظالم. والمكتب هو آلية المساءلة المستقلة لمؤسسة التمويل الدولية، ذراع مجموعة البنك الدولي المعنية بالقطاع الخاص. وفي 23 يونيو/حزيران من هذا العام، وافقت المؤسسة على خطة العمل المقترحة، لكنها رفضت ما نُسب إليها من عدم الامتثال لسياساتها. وعلى إثر هذا الموقف، أعلنت جانين فيريتي، المديرة العامة للمكتب، استقالتها.

وكانت مجموعة البنك الدولي، التي تعقد هذا الأسبوع اجتماعاتها السنوية مع صندوق النقد الدولي في بانكوك، قد اعتمدت في وقت سابق من الشهر نفسه استراتيجية جديدة للتعامل مع المناطق المتأثرة بالصراعات أو بالعنف واسع النطاق. وتوسّع الاستراتيجية دور تمويل القطاع الخاص والوسطاء الماليين في خلق فرص العمل وتنمية الأعمال. ويشمل هؤلاء الوسطاء مؤسسات التمويل الأصغر، مثل المؤسسة الكمبودية التي أقرضت المزارع. غير أن بعض عناصر الاستراتيجية من شأنها أن تضعف الثقة في آليات المجموعة المعنية بحماية المقترضين في هذا القطاع.

ولا تزال أمام البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية فرصة لتعزيز فاعلية التمويل الأصغر والثقة فيه. فإذا اتخذتا الخطوات الأساسية اللازمة، أمكن لهذه الأداة أن تساعد كثيرين على الخروج من الفقر وتأمين دخل يتجاوز مجرد تلبية احتياجاتهم الأساسية.

مزارع تحت وطأة الديون

نشرت صحيفة «الغارديان» في أكتوبر/تشرين الأول 2023 تقريرًا عن المزارع الكمبودي نهو لاين، الذي انتحر في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وكان قد حصل قبل وفاته بأشهر قليلة على قرض جديد من «إل أو إل سي كمبوديا»، إحدى أبرز مؤسسات التمويل الأصغر في البلاد. ونقلت الصحيفة عن أرملته، كواك نغا، أن الزوجين اقترضا لسداد ديون متراكمة من قروض سابقة لدى المؤسسة نفسها، ولشراء قطعة أرض صغيرة لزراعة فول الصويا والكسافا والكاجو. وكانا يأملان أن يوفر لهما استغلال هذه الأرض دخلًا إضافيًا يساعدهما على دفع الأقساط الشهرية. وبحسب نغا، احتفظت المؤسسة بسندَي ملكية مزرعتها ومنزلها ضمانًا للقرض.

وأصبح على الزوجين، بعد الحصول على هذا القرض، سداد أكثر من 4,300 دولار للمؤسسة بين مايو/أيار 2022 ومايو/أيار 2023. ويقارب هذا المبلغ ضعف دخلهما السنوي، الذي قُدّر بنحو 2,200 دولار. وإلى جانب تهيئة أرضه الجديدة للزراعة، كان لاين يعمل في مزارع الآخرين مقابل ستة دولارات يوميًا. وتعتقد زوجته أن الضغوط والإرهاق أسهما في انتحاره. ولم تتوقف المؤسسة عن مطالبات السداد إلا بعد مناشدات من الرابطة الكمبودية لتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها، وهي منظمة غير حكومية. ونقلت الصحيفة عن الرئيس التنفيذي للمؤسسة، سوك فوين، نفيه ارتكاب أي مخالفات.

وقبل وفاة لاين بتسعة أشهر، كانت الرابطة ومنظمة «إكويتابل كمبوديا» قد تقدمتا، في فبراير/شباط 2022، بشكوى إلى مكتب مستشار الامتثال وأمين المظالم نيابة عن عدد من المقترضين في كمبوديا. وأفاد المكتب بأن أصحاب الشكوى، الذين لم يُكشف عن أسمائهم حفاظًا على سريتهم، اتهموا ست مؤسسات اقترضوا منها باتباع «ممارسات إقراض استغلالية ومضللة، بما في ذلك استخدام التهديد في تحصيل الديون». وقالوا إن القروض ألحقت أضرارًا بحياتهم، شملت فقدان الأراضي وسبل العيش، وانعدام الأمن الغذائي، ومخاطر صحية، وتشغيل الأطفال.

وبعد تحقيق استمر ثلاث سنوات ونصف السنة، أصدرت جانين فيريتي، المديرة العامة للمكتب، تقرير التحقيق في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأكد التقرير صحة ما ورد في الشكاوى، وخلص إلى أن الاستثمارات في التمويل الأصغر في كمبوديا أسهمت في أزمة ديون مرتبطة بممارسات إقراض استغلالية.

وأوضح التحقيق أن عدم امتثال مؤسسة التمويل الدولية لسياساتها بشأن الاستدامة البيئية والاجتماعية أسهم في تلك الممارسات. وشملت الأضرار الناتجة عنها تشغيل الأطفال، وحالات انتحار بسبب الديون، وفقدان الأراضي قسرًا، وانعدام الأمن الغذائي، وأضرارًا صحية، وتعطّل التعليم. كما تعرّض المقترضون الأكثر هشاشة لتهديدات وإجراءات انتقامية.

رد مجلس مؤسسة التمويل الدولية واستقالة مديرة آلية المساءلة

أعدّت إدارة مؤسسة التمويل الدولية «خطة عمل إدارية خاصة» لمعالجة الأضرار التي لحقت بمقدمي الشكاوى الثمانية عشر. وأعلن مجلس المديرين التنفيذيين للمؤسسة عن إجراءات إضافية لتحسين إدارة مخاطر التعرّض لإجراءات انتقامية، وتعزيز مشاركة الأطراف المعنية، وتحسين معالجة الشكاوى. لكنه رفض، في بيانه الصادر في 24 يونيو/حزيران من هذا العام، نتائج التحقيق التي أكدت عدم امتثال المؤسسة لسياساتها بشأن الاستدامة. واحتجاجًا على هذا القرار، سارعت فيريتي إلى تقديم استقالتها.

وفي خطوة لاحقة، وجّه المجلس المكتب إلى تعليق النظر في الشكاوى المتعلقة بمؤسسات التمويل الأصغر، في انتظار مراجعة مؤسسة التمويل الدولية لسياساتها. وبذلك، أُغلق أمام المقترضين المتضررين هذا المسار المستقل للمساءلة.

وكان مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي قد أعلن، قبل هذه القرارات، عن استراتيجيته المحدّثة للفترة من 2026 إلى 2030 للتعامل مع أوضاع الهشاشة والصراع والعنف. وجاء الإعلان في 8 يونيو/حزيران، حين قدّم المجلس الاستراتيجية بوصفها خطوة إلى الأمام. ويتمثل هدفها المعلن في تعزيز القدرة على الصمود ودعم التنمية المستدامة في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات، عبر توسيع مشاركة القطاع الخاص. وتتولى مؤسسة التمويل الدولية مجددًا دورًا رئيسيًا في تنفيذ هذا التوجه، من خلال مواصلة تعبئة استثمارات القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، ودعم إقراض المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.

وتكشف هذه القرارات مجتمعة عن فجوة مقلقة بين اعتماد مجموعة البنك الدولي المتزايد على الوسطاء الماليين، وضمانات الحماية المتاحة للمجتمعات التي يُفترض أن تستفيد من هذا التمويل.

أسئلة لا تزال بلا إجابات

لا تقتصر تداعيات هذه القرارات على كمبوديا. فالبنك الدولي يستعد لتنفيذ استراتيجيته الجديدة في بلدان تعاني من الهشاشة والصراعات والعنف، من بينها لبنان وسوريا. وفي هذه الظروف، تصبح الأسئلة العالقة بشأن حماية المقترضين والمساءلة أكثر إلحاحًا.

وتستثمر مؤسسة التمويل الدولية بالفعل في مشاريع للتمويل الأصغر في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويشمل ذلك تقديم قروض مباشرة إلى مؤسسات التمويل الأصغر المحلية والبنوك التجارية وصناديق الاستثمار في الملكية الخاصة، والمساهمة في رؤوس أموالها، وتقديم خدمات استشارية لبناء قدراتها.

وفي كمبوديا، كثيرًا ما تُستخدم سندات ملكية الأراضي ضمانًا للقروض، كما حدث مع نهو لاين. أما في كثير من البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات، فقد لا تكون الأرض ضمانًا عمليًا أو موثوقًا. فحقوق الملكية قد تفتقر إلى الحماية، أو تكون محل نزاع، أو يصعب إنفاذها. ولهذا قد يشترط المقرض وجود كفيل، كموظف حكومي أو أحد أفراد أسرة المقترض. وإذا تعذّر السداد، فقد يُحجز على راتب الكفيل.

وقد يُطلب من المقترضين أيضًا توقيع سندات لأمر تحمل تواريخ لاحقة قبل الحصول على القرض. وفي البلدان التي لا تزال تجرّم عدم سداد الديون، يمكن استخدام هذه السندات لبدء ملاحقات جنائية عند التخلّف عن دفع الأقساط. وقد يضطر ذلك الأسر إلى اتخاذ تدابير قاسية، كبيع ممتلكاتها، لتجنّب السجن.

وتؤكد مجموعة البنك الدولي أن مسؤولية حماية المستهلكين تقع أساسًا على عاتق السلطات الرقابية الوطنية. لكن البنك يعمل في بلدان عديدة تعاني من الصراعات والعنف وغيرها من مظاهر الهشاشة. وفي كثير منها، تكون مؤسسات الدولة ضعيفة أو منقسمة، أو غير قادرة على تنظيم الأسواق المالية بفاعلية وحماية المقترضين الأكثر هشاشة من ممارسات الإقراض التعسفية.

وفي ظل هذا الضعف المؤسسي، يثير التوسع في التمويل عبر الوسطاء الماليين مخاوف جدية، خصوصًا حين يتزامن مع تعليق اللجوء إلى آليات المساءلة المستقلة المعنية بحماية المستهلك المالي في قطاع التمويل الأصغر. ومن المرجّح أن تنجم عن ذلك ممارسات إقراض ضارة قد لا تُكشف، في حين تتقلص السبل المتاحة للمقترضين المتضررين للمطالبة بالإنصاف ومعالجة الأضرار التي لحقت بهم.

تكشف قضية كمبوديا عن غياب سياسة واضحة لدى مؤسسة التمويل الدولية لحماية المقترضين النهائيين، أي الأشخاص الذين يصل إليهم تمويلها عبر الوسطاء الماليين. وتتيح المراجعة الحالية لسياسات المؤسسة فرصة لسدّ هذه الثغرة في حماية المقترضين. ومن المقرر أن تنتهي المراجعة في عام 2028.

ومن دون تغييرات جوهرية وملموسة، قد يؤدي التوسع في التمويل عبر الوسطاء الماليين إلى تعريض المجتمعات الهشة لمزيد من الأضرار المالية. ويشتد هذا الخطر في البيئات شديدة الاضطراب والمتأثرة بالصراعات والعنف، إذا لم تواكب هذا التوسع ضمانات حماية قوية تتناسب مع مخاطره.

الصورة الرئيسية: «مجموعة البنك الدولي»، تصوير: Victorgrigas، عبر ويكيميديا كومنز، بموجب ترخيص المشاع الإبداعي: نسب المصنَّف والمشاركة بالمثل 3.0.

Sharing is caring!