الفجوة في مسار إعادة إعمار لبنان
في 26 يونيو/حزيران، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقاً إطارياً بوساطة أميركية، بعد أشهر من الغارات الجوية والتوغلات العسكرية والنزوح الجماعي والدمار واسع النطاق. ومن المتوقع أن يمهّد الاتفاق لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، بالتزامن مع انتشار تدريجي للجيش اللبناني في منطقتين تجريبيتين، بما يسمح للمدنيين بالعودة «بأمان» وبدء أعمال إعادة الإعمار.
غير أن الاتفاق يجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بـ«التحقق من نزع سلاح» حزب الله، ما يضع الدولة اللبنانية، المنهكة أصلاً، أمام مهمة تعزيز قدراتها العسكرية، وفي الوقت نفسه مواجهة حزب الله، وهو طرف محلي يتفوق عليها عسكرياً.
لا يفتح هذا الإطار الباب أمام التعافي فحسب، بل ينطوي أيضاً على خطر تحويل إعادة الإعمار إلى عملية مشروطة باعتبارات أمنية، بحيث يصبح التعافي مرتبطاً بمراحل ومعايير عسكرية وسياسية. ويزيد من صعوبة التعافي انهيار المؤسسات العامة، واستنزاف قدرات الدولة، وبقاء السؤال المتعلق بمن سيتحمل كلفة الأزمة المالية المستمرة في لبنان منذ سنوات من دون إجابة.
وفي غزة، طرح مسؤولون في الولايات المتحدة وإسرائيل مقاربة مشابهة تقوم على بدء إعادة الإعمار في المناطق الواقعة ضمن الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من «الخط الأصفر»، وهو الخط الذي يفصل بين المناطق التي بقيت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها. لكن مراقبين حذّروا من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تقسيم فعلي، من خلال تكريس حدود لم تُعتمد في مفاوضات رسمية أو ضمن مسار دبلوماسي.
وعلى الرغم من الوقائع الجديدة على الأرض، وإعلان حماس في 6 يوليو/تموز 2026 أنها ستتخلى عن إدارة قطاع غزة، ظلّت إعادة الإعمار مرتبطة، من الجانب الإسرائيلي، بمسألة نزع السلاح. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إلى ارتفاع الطلب على السكن في التجمعات الإسرائيلية القريبة من حدود غزة، عقب الإعلان عن «القضاء على التهديد».
لا تتعلق المسألة هنا بتوقيت بدء أعمال البناء فحسب. فعندما تتأخر المساعدات إلى حين استيفاء شروط نزع السلاح، يستمر النزوح، وتُستنزف مدخرات الأسر، وتتلاشى سبل العيش. وتوضح شهادات سكان جنوب لبنان لماذا لا يجوز إخضاع حق المدنيين في الاستفادة من جهود التعافي لمفاوضات لا يملكون أي تأثير عليها.
كلفة النزوح طويلة الأمد
في بلدة الطيري بقضاء بنت جبيل، بالقرب من المنطقة الحدودية مع إسرائيل، كان منزل عائلي قائماً ذات يوم على أحد التلال؛ جدران حجرية فاتحة اللون، ونوافذ خضراء، وأقواس، وسقف مكسو بالقرميد الأحمر، وشرفة تطل على الأراضي المحيطة. ووفقاً لأصحابه، بُني المنزل بثمرة أربعين عاماً من العمل الشاق في الخليج، ليكون بيتاً للتقاعد وشاهداً على حياة كاملة قضاها أصحابه في الاغتراب. أما اليوم، فقد دُمّر المنزل وتحول إلى ركام.
وفي بلدة ميس الجبل التابعة لقضاء مرجعيون، وهي بلدة حدودية أكبر حجماً لطالما شكّلت مركزاً محلياً للقرى المحيطة، تتحدث إحدى النازحات عن دمار طال المجتمع بأكمله. كان شقيقها يعمل في مستشفى البلدة الذي تعرّض للقصف، كما دُمّر منزله، ما اضطره إلى النزوح إلى بيروت. ودُمّرت معظم منازل البلدة أيضاً، فيما احترقت الأشجار بالكامل. وقالت: «الجميع نازحون. لا عمل، ولا فرص لكسب الرزق، ولا دخل».
ويواجه كثير ممن نزحوا إلى بيروت فجوة مؤلمة بين سبل العيش القائمة في القرى ومتطلبات الاقتصاد الحضري. فالعمل الزراعي والمهن المحلية والأعمال المرتبطة بالمجتمع لا توفر بسهولة ما يلزم لتغطية الإيجار وتكاليف النقل والعمل غير المستقر في المدينة.
لا يقتصر هذا الدمار على الخسائر الشخصية، بل يطال العمود الفقري الاقتصادي للمنطقة بأكملها. فقرى جنوب لبنان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الزراعي. وتضم المنطقة أكثر من نصف أشجار الحمضيات في البلاد، وربع بساتين الزيتون. كما كانت تربية المواشي، ولا سيما إنتاج الألبان، مصدر دعم نحو 60% من أفقر الأسر الزراعية في الجنوب.
ومن ثم، فإن حصر إعادة الإعمار في المناطق المصنفة آمنة أمنياً لن يؤدي إلى تفاوت جغرافي في إصلاح المساكن فحسب، بل سيحدد أيضاً أي المجتمعات الزراعية ستتمكن من العودة في الوقت المناسب لاستصلاح أراضيها وإنقاذ مواشيها وإعادة تنشيط أسواقها، وأيها ستواجه خسائر قد تصبح دائمة فعلياً.
وتشير أحدث تقييمات الأضرار إلى تقدير متحفظ يبلغ 1.7 مليار دولار أميركي لإجمالي الأضرار التي وقعت خلال ستة أشهر فقط في جنوب لبنان و بيروت وجبل لبنان. ولا يشمل هذا الرقم الأضرار المتراكمة التي لحقت بالبنية التحتية في مراحل سابقة.
وفي أعقاب جولة الصراع التي شهدها لبنان بين عامي 2023 و2024، قدّر البنك الدولي قيمة الأضرار المادية بنحو 3.4 مليارات دولار، والخسائر الاقتصادية بنحو 5.1 مليارات دولار، موزعة على سبعة قطاعات رئيسية.
ثم قدّر التقييم السريع للأضرار والاحتياجات، وهو تقييم أكثر شمولاً صدر في مارس/آذار 2025، الكلفة الاقتصادية الإجمالية للصراع بنحو 14 مليار دولار،منها 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية و7.2 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية،فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.
واسترشد البنك الدولي بهذه النتائج في إعداد مشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)، وهو مشروع ممول من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، أُطلق في يونيو/حزيران 2025 ضمن إطار تنفيذي تقوده الحكومة وقابل للتوسّع إلى مليار دولار.
لملمة آثار الدمار
يشكّل مشروع المساعدة الطارئة للبنان اختباراً مؤسسياً مباشراً: هل سيستند ترتيب المناطق المستفيدة إلى تقييم مستقل لاحتياجات المدنيين، أم سيتبع المراحل الأمنية التي حددها الاتفاق؟
ويزداد هذا السؤال تعقيداً بسبب التداخل بين تمويل البنك الدولي لإعادة الإعمار وإطار الاقتصاد الكلي الذي يدعمه صندوق النقد الدولي. ففي حين قد يمول البنك جهود التعافي، ستؤثر التدابير المدعومة من صندوق النقد، ولا سيما ما يتعلق بالقدرة على تحمّل أعباء الدين وإعادة هيكلة القطاع العام، في الموارد المتاحة للأسر والمؤسسات العامة.
وقد تعمل التأخيرات المرتبطة بالاعتبارات الأمنية وسياسات ضبط أوضاع المالية العامة معاً، فتظل الأسر المتضررة مستبعدة من جهود إعادة الإعمار، بينما تواصل في الوقت نفسه تحمل كلفة النزوح والتكيف الاقتصادي.
وقد بادرت مبادرات يقودها المجتمع المحلي إلى توفير الوجبات والأدوية والملابس والمأوى للأسر النازحة. لكن لا ينبغي تصوير مبادرات الدعم المتبادل وكأنها بديل عن الأنظمة والخدمات العامة. فالحاجة إليها تكشف تحديداً ما يجب أن تعالجه عملية إعادة الإعمار: استعادة الخدمات، وتمكين السكان من العودة بكرامة، وحماية الأراضي وسبل العيش، ومنح المجتمعات المتضررة دوراً حقيقياً في القرارات التي تحدد مستقبلها.
لا يحتاج لبنان إلى مؤسسة جديدة لتقييم الأضرار، بل إلى ربط التقييمات القائمة بقرارات شفافة وملزمة بشأن توزيع الموارد. لذلك، ينبغي لرئاسة مجلس الوزراء ومجلس الإنماء والإعمار نشر المعايير المستخدمة لتحويل تقييمات الأضرار إلى ترتيب جغرافي للمشروعات المنفذة في إطار مشروع المساعدة الطارئة للبنان وغيره من أوجه الإنفاق العام على إعادة الإعمار.
وينبغي أن يشمل ذلك سجلاً على مستوى كل قرية يوضح الاحتياجات التي جرى تقييمها، والمخصصات التي اعتُمدت، وحالة التنفيذ.
والأهم من ذلك، ينبغي للحكومة أن تضمن رسمياً تحديد أهلية المناطق والأسر للاستفادة استناداً إلى تقييم مستقل وموثوق للأضرار والنزوح وفقدان سبل العيش، لا بحسب وقوع المنطقة داخل نطاق تجريبي مصنف آمناً أو استيفائها معياراً متعلقاً بنزع السلاح.
كما ينبغي للبنك الدولي والجهات المانحة الأخرى إقامة حاجز حماية يضمن عدم إخضاع احتياجات المدنيين للشروط الأمنية، وتطبيقه على التمويل الحالي وأي تمويل إضافي لمشروع المساعدة الطارئة للبنان. وينبغي لها أيضاً دعم إنشاء آلية للتظلم تتيح للسكان والبلديات الاعتراض على إغفالهم من سجلات الأضرار أو قوائم المشروعات.
وعلى المفاوضين اللبنانيين أيضاً السعي إلى الحصول على ضمانات مكتوبة وخاضعة لمراقبة دولية تكفل عودة المدنيين، ووصول جهود إعادة الإعمار إلى المناطق المتضررة، والحماية من تجدد الهجمات، وذلك قبل إبرام اتفاق نهائي. وينبغي أن تشمل هذه الضمانات جميع المناطق المتضررة، بما فيها تلك الواقعة خارج المنطقتين التجريبيتين الأوليين.
قد تحدد الظروف الأمنية التوقيت الذي يمكن فيه بدء تنفيذ كل مشروع بأمان، لكنها لا ينبغي أن تحدد ما إذا كان للمهجّرين الحق في الاستفادة من إعادة الإعمار. فمن دون هذه الحماية، قد تؤدي عملية التعافي المرحلية إلى تكريس النزوح بدلاً من إنهائه.
بقلم حسين شعيتو
نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية على موقع Geopolitical Monitor بتاريخ 30 يوليو/تموز 2026، وتُنشر ترجمته العربية هنا بإذن من الكاتب.