تحذير بخصوص التقشف في العالم: تخفيضات وشيكة في موازنات الدول في 2021-2015 وبدائل

تحذير بخصوص التقشف في العالم:  تخفيضات وشيكة في موازنات الدول في 2021-2015 وبدائل

خريطة البلدان المتوقع أن تعرف بين 2021 و2022، تخفيضات تقشفية من حيث الناتج المحلي الإجمالي، استنادا إلى التوقعات المالية لصندوق النقد الدولي. © I. Ortiz and M. Cummins, 2021

 

دراسة دولية نشرتها حديثا مبادرة حوار السياسات في جامعة كولومبيا مع آراب واتش والنقابات العمالية العالمية ومنظمات المجتمع المدني، تدق ناقوس الخطر من صدمة تقشف قادمة، حيث تفرض معظم الحكومات تخفيضات في الميزانية العامة خاصة في الوقت الذي يكون فيه مواطنوها واقتصاداتها في أمس الحاجة للدعم العام. يؤكد التقرير أنه من المتوقع إجراء تخفيضات في الميزانية في 154 دولة هذا العام، وما يصل إلى 159 دولة في سنة 2022، مما سيؤثر على 6.6 مليار شخص أو 85٪ من سكان العالم، ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه حتى سنة 2025 على الأقل.

يساهم التقرير في حملة #انهاء_سياسات_التقشف العالمية لوقف سياسات التقشف التي لها آثار اجتماعية سلبية في التعافي من أزمة كوفيد-19. منذ عام 2020، دعى أكثر من 500 منظمة وأكاديمي من 87 دولة صندوق النقد الدولي والوزارات المالية إلى التوقف عن تشجيع التدابير التقشفية، وإعطاء الأولوية، بدلا عن ذلك، للسياسات التي تعزز العدالة بين الجنسين وتحد من اللامساواة وتضع الناس والكوكب في المقام الأول.

 

ملخص الدراسة

 

تحذر هذه الورقة من صدمة مالية تقشفية قادمة بعد الجائحة، صدمة مبكرة وشديدة أكثر من تلك التي تلت الأزمة المالية العالمية. وتقدم الورقة خيارات بديلة لضمان عدم تعرض سكان العالم للمعاناة مرة أخرى من التخفيضات التقشفية. تقوم الورقة بهذا عن طريق ما يلي: (1) فحص توقعات الإنفاق الحكومي الخاصة بصندوق النقد الدولي حتى عام 2015، و(2) عرض أكثر تدابير التقشف انتشارا لكي يتم تجنبها بالنظر لآثارها الاجتماعية السلبية، و(3) دعوة الحكومات لخلق الحيز المالي القادر على تمويل التقدم والانتعاش الاجتماعي الاقتصادي العادل باتجاه حقوق الإنسان وأهداف التنمية المستدامة.

تحليل تقديرات الإنفاق تبين أن التخفيضات التقشفية متوقعة في 154 دولة في عام 2021، وفي عدد يصل إلى 159 دولة في 2022. والاتجاه مستمر على الأقل حتى عام 2025، بمتوسط 139 دولة كل عام، وذلك وفقا لتقديرات البنك الدولي المتضمنة في قاعدة بيانات (آفاق الاقتصاد العالمي World Economic Outlook) أكتوبر 2020. من المتوقع أن يؤثر التقشف على 5,6 بليون شخص في 2021 أو حوالي 75% من سكان العالم، ويرتفع الرقم إلى 6,6 بليون شخص أو 85% من سكان العالم في 2022. أما بحلول عام 2025، فقد يبقى 6,3 بليون شخص أو 78% من سكان العالم يعيشون في ظل التقشف.

منذ عام 2008، أدت أزمتان عالميتان كبيرتان إلى فترات قصيرة من التوسع المالي (في حدود عام واحد أو عامين) تبعها فترات طويلة من التقشف المؤلم اجتماعيا. حدث هذا في 2008/2009 في بداية الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، ثم في 2020 أثناء الموجات الأولى من تفشي كوفيد 19. بعد فترات قصيرة من التوسع المالي، قامت الحكومات – بناء على نصائح صندوق النقد الدولي والعشرين الكبار وغيرهم – بسرعة بتخفيض الكثير من الدعم العام المطلوب بشدة مما كان له تبعات سلبية على أغلبية السكان.

التاريخ يعيد نفسه الآن. المستويات العالية من الإنفاق المطلوب للتعامل مع الوباء والأزمة الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عنه تركت للحكومات دين وعجز متنامي في الموازنة. ولكن بدلا من السعي لإيجاد خيارات تمويلية مختلفة لتوفير الدعم المطلوب بشدة للناس والاقتصاد، تدخل الحكومات فترة أخرى من التقشف المالي.

يبدو أن صدمة ما بعد الجائحة أكثر حدة من تلك التي تلت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. ومن المتوقع أن يكون تقليص النفقات المتوسط في 2021 عند مستوى 3,3% من الناتج الإجمالي المحلي، وهو ما يعتبر حوالي ضعف حجم الأزمة السابقة، و1,7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022. الأمر الأكثر مدعاة للقلق هو أن تقليص الموازنة أصبح منتشرا وسائدا، ويعرف تقليس الموازنة بأنه تقليل الإنفاق عن المستويات السابقة على الجائحة (التي كانت منخفضة بالفعل). فمن المتوقع أن تقوم حوالي 50 حكومة بتقليل إنفاقها في 2021-2022 عن 2018-2019 بمتوسط حوالي 2,9% من الناتج المحلي الإجمالي. وعند النظر للتغيرات الحقيقية، نجد أن أكثر من 40 حكومة يتوقع أن تكون موازناتها أقل بـ12% في 2021-2022 من موازناتها في 2018-2019 في المتوسط، بما في ذلك دول لديها احتياجات تنموية عالية مثل الأكوادور وغينيا الاستوائية وليبيريا وليبيا وجمهورية الكونغو وجنوب السودان واليمن وزامبيا وزيمبابوي.

إن مخاطر التقشف المبكر وشديد العدوانية واضحة من خبرة التكيف الهيكلي في العقد الماضي. فمنذ 2010-2019، انقلبت حياة بلايين الناس رأسا على عقب بسبب تخفيض المعاشات ومزايا الضمان الاجتماعي؛ وتخفيض الدعم (بما في ذلك دعم الطعام والأسمدة والوقود)؛ وتخفيض تكلفة الأجور ووضع سقف لها (والذي عرقل تقديم الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والمياه والنقل العام)؛ وترشيد برامج الحماية الاجتماعية وتضييق نطاق المستهدفين بها (مما أدى لحصول الفئات الأكثر فقرا من السكان فقط على مزايا أقل فأقل بينما معظم الناس تم استبعادهم)؛ وتقليل ضمان التشغيل للعمال مع تفكيك قواعد حماية العمالة. في العديد من البلدان، تم تقليل حجم الخدمات العامة و/أو خصخصتها ومنها الصحة. الكثير من الحكومات استحدثت أيضا تدابير تنازلية لتوليد الإيرادات مثل الضرائب على الاستهلاك، وهو ما أدى إلى المزيد من التآكل في الدخول المتاحة للأسر بعد انخفاض الوظائف بشدة بسبب انخفاض النشاط الاقتصادي. لقد ثبت أيضا أن التقشف المالي سياسة مميتة. فضعف أنظمة الصحة العامة – المتسمة بضخامة الأعباء وقلة التمويل وقلة العاملين بسبب عقد كامل من سياسات التقشف – فاقم اللامساواة في الصحة وجعلت السكان هشين ومعرضين للحظر أمام كوفيد 19.

من الضروري أن نحذر اليوم من تدابير التقشف التي تؤدي لنتائج اجتماعية سلبية. وهي تتضمن: (1) تخفيض تكلفة الأجور ووضع أسقف لها، (2) تقليل الدعم، (3) إصلاحات أنظمة المعاشات والضمان الاجتماعي، (4) ترشيد وتضييق نطاق المستفيدين بالمساعدات الاجتماعية/شبكات الأمان الاجتماعي، (5) الإصلاحات الهادفة لإحداث مرونة في أوضاع العمالة، (6) رفع ضرائب الاستهلاك أو ضرائب القيمة المضافة، و(7) الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص. هذه التدابير التقشفية لها آثار اجتماعية ضارة ويجب تجنبها، فهناك بدائل لها. وبعد الآثار الوخيمة لكوفيد 19 على البلاد المختلفة، لن يؤدي التقشف إلا إلى المزيد من المعاناة والمصاعب غير الضرورية للسكان.

التقشف ليس حتميا، وهناك مسارات بديلة له حتى في أفقر الدول. فيما يلي مجموعة من خيارات التمويل أو الخيارات المتعلقة بالحيز المالي مدعومة ببيانات السياسات الصادرة عن الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية: (1) زيادة الإيرادات الضريبية، (2) توسيع نطاق تغطية الضمان الاجتماعي والإيرادات من المساهمين للحماية الاجتماعية، (3) الاقتراض أو إعادة هيكلة/تخفيض الديون القائمة، و(4) تبني إطار اقتصادي كلي موات بدرجة أكبر. القرارات المتعلقة بالتمويل والإنفاق التي تؤثر على حيوات ملايين الناس لا يمكن اتخاذها خلف أبواب مغلقة في وزارة المالية: كل الخيارات يجب أن يتم فحصها بعناية بما في ذلك المقايضات والمخاطر المحتملة، وأن تتم دراستها في إطار حوار وطني اجتماعي شامل. الحوار الاجتماعي الوطني هو السبيل الأفضل لبلورة الحلول المثلى في السياسات المالية والاقتصادية الكلية، والحاجة لاحترام حقوق الإنسان وتأمين الدخول والوظائف.

هناك حملة عالمية لوقف التدابير التقشفية التي لها آثار اجتماعية سلبية: #القضاء_على_التقشف. في 2020، دعى أكثر من 500 منظمة وأكاديمي من 87 دولة صندوق النقد الدولي ووزارات المالية إلى الإيقاف الفوري للتقشف، وأن تقوم بدلا من هذا بدعم سياسات تعزز العدالة الجندرية وتقلل اللامساواة وتضع الناس والكوكب في صدارة الأولويات. ومن الخطوات التي يمكن اتخاذها: (1) تحديد إن كانت حكومتك قد خفضت النفقات أو تخطط لهذا في المستقبل القريب، (2) في حالة التقشف، بلورة مطالب بديلة للانتعاش فيما بعد الجائحة، (3) الدعوة لحوار اجتماعي وطني على أن يكون مستندا على معرفة ووعي بتقييم سريع للآثار الاجتماعية لخيارات السياسات المختلفة ومصادر تمويلها، و(4) الاتفاق على السياسات الأفضل من خلال حوار اجتماعي وطني شامل مع ممثلين عن النقابات العمالية وأصحاب الأعمال ومجموعات المجتمع المدني وغيرهم من الأطراف المعنية. بالنظر لأهمية التعافي من آثار كوفيد 19، من الضروري أن تستكشف الحكومات كل البدائل الممكنة لتوسيع نطاق الحيز المالي لتعزيز التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة ولتحقيق الرخاء طويل الأمد للجميع.

 

إيزابيل أورتيز، مديرة برنامج العدالة الاجتماعية العالمي في مبادرة جوزيف ستيغليتز للحوار بشأن لحوار السياسات في جامعة كولومبيا والمديرة السابقة لمنظمة العمل الدولية واليونيسيف

ماثيو كامينز، خبير اقتصادي عمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسيف والبنك الدولي

Sharing is caring!

shares