الحاجة الملحة لإصلاح صندوق النقد الدولي: نماذج من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الحاجة الملحة لإصلاح صندوق النقد الدولي: نماذج من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

بقلم شيرين طلعت و ليلى أولحاج 

نشر على موقع CNCD 11.11.11 يوم 1 فبراير 2023


ركزت برامج صندوق النقد الدولي على مدى عقود على الاستقرار الماكرو اقتصادي والمالي متجاهلة ضرورة تحسين الظروف المعيشية للشعوب، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا حيث تواصل ظروف عيش السكان تدهورها، خاصة بفعل الآثار المجتمعة للجائحة وتبعات الغزو الروسي لأوكرانيا بالإضافة إلى التغير المناخي، الأمر الذي يدعو إلى إطلاق اصلاح عميق بشكل مستعجل. 

فبعد مرور أحد عشر عاما على ثورات الربيع العربي، تبدو صورة الأوضاع مخيبة للآمال، بالنظر إلى التمزيق والاقتتال دون نهاية الذي تعيشه دول مثل سوريا وليبيا واليمن، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي انتهاك حقوق الفلسطينيين. 

ومن جانب آخر، تعاني دول أخرى من سطوة أنظمة لا تحترم الحريات وحقوق الإنسان، حيث تخضع مصر لسيطرة نظام قمعي بينما يكافح المغرب لتقليص الفوارق واسكات الأصوات المعارضة، كما يتصاعد القمع في الأردن الذي يواجه آفاقا اقتصادية واجتماعية صعبة، أما تونس فقد فشلت -بعد عشر أعوام من الانتقال الديمقراطي- في الوفاء بالتزاماتها باتخاذها لخطوات للرجوع إلى الاستبداد، في حين فشلت الطبقة الحاكمة في لبنان الغارقة في الزبونية والفساد في وضع حد للانهيار الاقتصادي بعد تقويضها للاستقرار المالي للبلد. 

وفي هذا السياق، من الضروري القيام بقراءة نقدية للعمليات التي تقوم بها المؤسسات المالية الدولية في المنطقة خلال العقود المنصرمة، خاصة صندوق النقد الدولي. 

 

النيوليبرالية، وصفة غير ناجعة 

خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، تعرضت معظم دول المنطقة لضغوطات من طرق المؤسسات المالية الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي من أجل تبني نماذج نيوليبرالية تعتمد على الصادرات والاستثمارات الخارجية. ولتقليص العجز التجاري، اضطرت الدول غير المصدرة للنفط للاقتراض من السوق الدولية، وتم منح هذه القروض بشروط وضعها صندوق النقد الدولي اتخذت طابع برامج إصلاح هيكلي على أساس إجراءات نيوليبرالية مثل تقليص الانفاق العام والخصخصة وتخفيض قيمة العملة والرفع من أسعار الفائدة والليبرالية.

 

وفي سياق طبعته أزمات متعددة، أدت هذه الشروط إلى تدهور المستويات المعيشية. فبحسب البنك الدولي، ارتفع عدد السكان الذين يعانون من الفقر المدقع من 2.7 بالمائة في 2011 إلى 3.8 بالمائة في 2015 وتفاقم إلى 7.2 بالمائة في 2018، حيث يعاني معظم العاملين في القطاع غير المهيكل الآخذ في الاتساع من غياب الحماية الاجتماعية والقانونية، ما يجعلهم الأكثر تضررا من الإجراءات التقشفية التي ترافق برامج صندوق النقد الدولي. 

 

أزمات متعددة دون مسائلة لدور برامج صندوق النقد الدولية

من جهة أخرى، تعتبر المنطقة واحدة من المناطق الأكثر تضررا من آثار الاحتباس الحراري، وتبدو مظاهره بادية للعيان من خلال استنزاف وتدهور الأنظمة البيئية الساحلية وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض المحاصيل الفلاحية والتصحر المتسارع وندرة المياه، في سياق تعاني فيه شعوب المنطقة من تضخم متنامي بفعل تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا إضافة إلى الفقر وسوء التغذية في منطقة تعتمد على الاستيراد لتحقيق أمنها الغذائي.

إلا أن تدهور الظروف المعيشية لم يدفع صندوق النقد الدولي للقيام بإصلاح لبرامجه، بالرغم من أن ثورات 2011 بدت وكأنها جعلت الصندوق يدرك أهمية الجانب الاجتماعي. فمثلا في 2012، قالت مديرة الصندوق السابقة كريستين لاغارد أن الصندوق تعلم من الثورات مضيفة أن “الأرقام لا تحكي القصة بشكل كامل ونحن بحاجة إلى النظر ماوراء الأرقام وطرح سؤال من يستفيد من النمو؟ ومن يستفيد من الدعم؟ وكيف يتم توزيع ثمار النمو في بلد معين.”

 

منطقة على شفى حفرة من التخلف عن سداد الديون

تعد الديون أحد أكثر أعراض الأزمات وضوحا في المنطقة، حيث سبق للبنان إعلان تخلفه عن أداء الدين في مارس 2020 لأول مرة في تاريخه خلال انتشار الجائحة، بعدها بسنتين، صنفت تونس كثالث بلد يواجه خطر التخلف عن السداد في حين أتت مصر في المركز الثامن والمغرب في المركز 18. وقد تلتحق دول أخرى بهذه اللائحة مع انخفاض قيمة عملتها. وتعاني الدول الغارقة في الديون من صعوبة أداء هذه الأخيرة أو الحصول على اقتراض جديد في سياق يتسم بشروط أكثر صعوبة بسبب اجراءات البنوك المركزية لمواجهة التضخم. 

ويشكل خطر التخلف عن سداد الديون معيارا لفهم الوضع الاقتصادي بالدولة المعنية وتقييم ظروف عيش سكانها، ويعني مواجهة خطر التخلف عن أداء الدين أن البلد فقد القدرة على الوفاء بالتزاماته تجاه مقرضيه، مما يؤدي إلى فقدان الموارد الضرورية لتلبية احتياجات السكان مثل خدمات الصحة والتعليم وهذا يعني عدم القدرة على الاقتراض وخضوع البلد المعني للإجراءات التقشفية التي تضر بالفئات الهشة والطبقة الوسطى وتزيد من الفوارق. إن تخلف بلد ما عن أداء الديون يعني انهيار نظام كامل والفشل في توفير شروط العيش الكريم للسكان. 

 

الرسوم الإضافية تفاقم من أزمة الديون

علاوة على ذلك، تؤدي سياسة الرسوم الإضافية لصندوق النقد الدولي إلى ارتفاع التكاليف التي تقع على عاتق الحكومات. حيث يفرض الصندوق هذه الرسوم على دول غارقة في الديون. فعلاوة على أدائها  للفوائد الاعتيادية وخدمات الدين بالإضافة إلى رسوم إضافية، يتعين على هذه الدول دفع رسوم إضافية بناء على مبلغ القرض ومدته. ويبرر الصندوق هذه الرسوم باعتبارها عاملا يساهم في الحد من الاعتماد الطويل المدى على القروض بالرغم من أنها تثقل كاهل الدول الغارقة في الديون. فعلى سبيل المثال، دفع المقترضون الخمسة الكبار (الأرجنتين والإكوادور ومصر وباكستان وأوكرانيا) 2.7 مليار دولار كرسوم إضافية (علاوة على تسديد الأقساط). ومن المثير للاستغراب أن هذه الرسوم تناقض أحد أهداف الصندوق الرامية إلى “تمكين الدول من مرونة كافية لتطبيق سياسات إصلاحية بشكل منتظم لتهييئ ظروف مواتية للاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام.”

إن اثقال كاهل الدول المثقلة بالديون يؤدي إلى تفاقم الأزمات مع كل تداعياتها السلبية على النساء والفتيات على وجه الخصوص، كما أن الرسوم الإضافية تخلف نتائج عكسية لكونها مفروضة على المقترضين الأقل قدرة على تحملها، بالإضافة إلى أنها ترفع من كلفة الاقتراض لأنها أكبر بمرتين إلى أربع مرات مقارنة بسعر الفائدة الاعتيادي للصندوق الذي يبلغ حوالي 1 بالمائة. 

وبالفعل، قامت بعض الدول باستنكار سياسة الرسوم الإضافية مثل الأرجنتين وباكستان الذين قاما بحشد الدعم من أجل التخلي عن هذه الرسوم أو إلغائها بشكل مؤقت. ولاقت جهودهما دعما من المجتمع المدني الدولي خاصة من طرف الحملة العالمية من أجل العمل على إلغاء الرسوم الإضافية. ففي 12 دجنبر 2022، تطرق مجلس إدارة صندوق النقد الدولي لهذا الموضوع مما جعل الجميع يبشرون بإصلاح مرتقب. إلا أن آمالهم خابت بعد وأد المشروع بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وسويسرا، متدرعين بحجج من قبيل أنه يجب على الصندوق الحفاظ على نموذج تمويل بسبب السياق الاقتصادي العالمي. وكان للصندوق فرصة لإبراز أهمية أخذ الظروف المعيشية في عين الاعتبار، لكنه لم يغتنمها ولم يوضح ما إذا كان ينوي القيام بإصلاح في الأشهر المقبلة. 

 

الأمل في الإصلاح

لم يتم إجراء أي تكييف لبرامج صندوق النقد الدولي ليتناسب مع الواقع المعاش لسكان الشرق الأوسط وشمال افريقيا بالرغم من وجود مؤشرات تظهر أن ظروفهم المعيشية تواصل تدهورها. ولا يعتبر هذا مصدرا للاستغراب بالنظر إلى كون برامجه تحكمها التوجهات النيوليبرالية وشروطها منذ عقود، خاصة خلال الأزمات مما يعكس إصرارا من الصندوق للإبقاء عليها رغم فشلها. 

هناك حاجة ماسة لوضع حلول قصيرة ومتوسطة المدى، فعلى المستوى المتوسط، يتعين على الصندوق إنهاء سياسة الرسوم الإضافية والشروط المجحفة ذات الصلة بالوضع الماكرو اقتصادي لصالح التركيز على دعم الحكامة الجيدة وسيادة القانون ومخاربة الفساد مع إعطاء أهمية أكبر للنساء والشباب. 

ومع ذلك، من الضروري الذهاب أبعد من ذلك في سبيل إصلاح صندوق النقد الدولي من أجل وضع برامج تضع آليات تمويل متناسبة مع التحديات الراهنة والمستقبلية بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما أن هناك حاجة ملحة إلى استجابة متعددة الأطرف بشكل منهجي تشرك جميع الدول في عملية صنع القرار من أجل بناء عالم يسوده العدل والاستدامة. 


بقلم:

  • شرين طلعت المديرة التنفيذية المشاركة لتحالف آراب واتش
  • ليلى أولحاج: باحثة و مديرة المناصرة في العدالة الضريبية والتمويل من أجل التنمية لدى CNCD-11.11.11

Sharing is caring!