حوار مع شرف الدين اليعقوبي حول متابعة مشروع البنك الدولي في تونس

حوار مع شرف الدين اليعقوبي حول متابعة مشروع البنك الدولي في تونس

حوار مع الخبير في الحوكمة شرف الدين اليعقوبي

في إطار مشروع «نحو سياسات وممارسات زراعية مستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، عمل تحالف أراب ووتش بالتعاون مع أعضائه في تونس والأردن ولبنان ومصر على تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني في متابعة وتقييم المشروعات الزراعية الممولة من البنك الدولي، من خلال تحليل وثائق المشروعات، وفهم سياسات البنك الدولي، وإجراء المتابعة الميدانية، والتواصل مع المستفيدين، وإعداد تقييمات مستقلة تستند إلى الأدلة. 

وفي تونس، ركزت جهود أعضاء التحالف على تقييم مشروع «دعم التعافي الاقتصادي وتوفير فرص العمل في قطاع الأغذية والزراعة والمناطق الريفية في تونس»، الممول من البنك الدولي، والذي يشكل جزءًا من برنامج سلاسل التشغيل الريفية والزراعية التونسية (TRACE). ويبلغ تمويل المشروع 4 ملايين دولار أمريكي، ويهدف إلى دعم التعافي الاقتصادي وخلق فرص العمل في المناطق الريفية، وتعزيز مشاركة صغار المنتجين، ودعم منظمات المنتجين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الزراعيين، مع تركيز خاص على النساء والشباب في ولايات جندوبة والقيروان وقابس.

وضمن هذا العمل، شارك أعضاء تحالف أراب ووتش في تونس في تنفيذ تقييم مستقل للمشروع، بهدف تقييم مدى تحقيقه لأهدافه الاجتماعية والاقتصادية، ورصد مستوى الشفافية والمساءلة في تنفيذه، وقياس مدى معرفة المستفيدين بالمعايير البيئية والاجتماعية وآلية الشكاوى، والاستماع إلى تجاربهم وتقييم أثر المشروع، وصولًا إلى تقديم توصيات عملية لتعزيز تنفيذ المشروع وتحسين تصميم وتنفيذ البرامج المشابهة مستقبلًا. واعتمد التقييم على مراجعة وثائق المشروع، وإجراء مقابلات مع الجهات المعنية، ودراسة ميدانية شملت المستفيدين في الولايات الثلاث المستهدفة. 

فيما يلي حوار مع الخبير في الحوكمة شرف الدين اليعقوبي من منظمة أنشر، إحدى المنظمات المشاركة في هذا الجهد، يشارك فيه تجربته في متابعة وتقييم المشروع، والدروس التي اكتسبها من هذه التجربة.

 

1. قبل الانخراط في هذا المشروع مع تحالف أراب ووتش، ماذا كنتم تعرفون عن المشروعات الممولة من البنك الدولي؟ وما الذي تغيّر في فهمكم لهذه المشروعات بعد هذه التجربة؟

 

قبل العمل مع تحالف اراب واتش كان التعامل مع المشاريع الممولة من البنك الدولي يقتصر على معلومات عامة تقتصر على الجزء المالي مثل كلفة المشروع مدة السداد. دون معرفة دقيقة بكافة هذه المشاريع والاكتفاء بما تنشره وسائل الاعلام المحلية او بلاغات البنك دون رؤية تحليلية نقدية. كان يتم التعامل مع القرض كإنجاز في حد ذاته، دون النظر إلى كلفته الطويلة الأمد غياب تام لطرح الأسئلة الجوهرية حول الشروط، ما الذي تفرضه هذه البنوك على الدولة التونسية في المقابل؟ 

وبفضل الانضمام الى تحالف اراب واتش اصبح الاطلاع على هذه المشاريع اكثر دقة من خلال التعرف على مصادر المعلومات واليات الإفصاح واكتساب قدرات تحليلية أعمق لهذه المشاريع ومتابعة اثارها والتثبت من مدى تحقيقها للاهداف التي وضعتها.  التعرف على اليات الشكاوى وممارسة دور متابعة وتقييم موضوعي وعلمي.

 

2. تتطلب متابعة المشروعات الممولة من البنك الدولي التعامل مع كمّ كبير من الوثائق والتقارير الفنية. كيف تعاملتم مع هذه العملية؟ وما أبرز المهارات والمعارف التي اكتسبتموها خلال رحلة المتابعة والتقييم؟

بدأنا بالتفكيك الهيكلي للمشروع من خلال التركيز على تجميع مختلف وثائق المشاريع من مختلف المصادر المتاحة لفهم منطق التدخل ثم استخراج المعطيات الاساسية مثل البرامج المفصلة، شروط الاسناد، تمشي انجاز المشروع، المؤشرات المستهدفة والشروط المسبقة التي يفرضها البنك على الدولة. ثم مقارنتها بتقارير سير التنفيذ والنتائج.

ثم العمل على التثبت من المطابقة الميدانية من خلال الاتصال المباشر بالمنتفعين والتثبت من النتائج ورصد الفجوات بين الوعود النظرية والواقع العملي على الأرض. وتحديد الصعوبات على ارض الواقع وتقديم التوصيات في شأنها لتلافي هذه الإشكاليات في المستقبل.

بفضل هذا الجهد وبدعم من تحالف أراب واتش، انتقلت الجمعية إلى مستوى احترافي جديد، واكتسب مهارات أبرزها:

  • القراءة النقدية والتحليل التقني المعمق للمشاريع من خلال اكتساب القدرة على قراءة ميزانيات المشاريع، وفهم كلفة التمويل المخفية، والشروط 
  • استخدام آليات النفاذ إلى المعلومة الخاصة بالبنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية
  • صياغة تقارير متابعة ورقابة مدعومة بالأرقام والأدلة
  • تبسيط المعلومات المعقدة وتقديمها بلغة مبسطة للجمهور وهو ما ساعد في رفع وعيهم بحقوقهم المتعلقة بهذه المشاريع.

 

3.خلال العمل الميداني في جندوبة والقيروان وقابس، ما الذي كشفت عنه لقاءاتكم مع المستفيدين ولم يكن ظاهرًا في الوثائق الرسمية أو التقارير المنشورة؟ وما أبرز الفجوات التي رصدتموها بين ما هو مخطط للمشروع وما يعيشه المستفيدون على أرض الواقع؟

 

أثناء العمل الميداني في جندوبة والقيروان وقابس والاتصال المباشر بالمستفيدين كشفت المعطيات الميدانية بعض الفجوات بين ما تعرضه الوثائق الرسمية وما يعيشه المستفيدون فعليًا، فالوثائق كانت تُظهر مشروعًا منظما وناجحا في التمويل والتكوين والمتابعة وهو ما أكده التقرير في عديد النواحي باعتباره تقريرا موضوعيا يستند إلى معطيات ميدانية، لكن الملاحظة الميدانية واجابة المستفيدين على الاستبيان مباشرة  أظهر بعض أوجه  الضعف واهمها معرفة المستفيدين بآلية التظلم والتفاوت في مسارات انتقاء المستفيدين  وكذلك وجود تعقيدات إجرائية وتأخيرات في التزويد والتجهيز بالمعدات إلى جانب اعتماد كبير على شبكات غير رسمية في الوصول إلى المعلومة.

 

4. أظهرت نتائج التقييم أن أغلب المستفيدين لم يكونوا على علم بوجود آلية للتظلم رغم أنها كانت متاحة رسميًا. ماذا يخبرنا ذلك عن الفجوة بين تصميم هذه البرامج ووصولها الفعلي إلى المستفيدين؟

في تقرير TRACE تبين أن أغلب المستفيدين لا يعرفون أصلًا آلية التظلّم رغم أنها موجودة رسميا وقد استقبلت شكاوى بالفعل وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود الالية بل في وصولها إلى الناس أي في طريقة التعريف بها وتبسيطها ودمجها في كل مراحل التواصل مع المستفيدين مع تفسيرها بوضوح ومرافقة المستفيدين فعليا حتى يعرف الناس حقوقهم ويستخدموا الآلية المتاحة لهم

 

5. من بين القصص والتجارب التي صادفتموها خلال هذا العمل، هل هناك قصة أو موقف بقي عالقًا في ذاكرتكم بشكل خاص؟

من أكثر لحظات أثرًا في هذا المشروع هو اللقاء الذي جمعنا إحدى المنتفعات التي روت قصتها وأرتنا مشروعها وهي لم تكتفِ بالاستفادة الفردية من البرنامج بل نجحت في تغيير نظرة عائلتها نفسها إلى دور المرأة في النشاط الاقتصادي. فقد تمكنت من إقناع والدها وإخوتها وهم يشتغلون في الفلاحة بأن يتيحوا لها استغلال محل لتحويله إلى معصرة صغيرة لإنتاج الزيت. الأهم من ذلك أنها لم تقف عند مرحلة الإنتاج فقط بل استطاعت أيضًا أن تقنعهم بفكرة تعليب المنتوج وتسويقه بطريقة أفضل بدل الاكتفاء بالبيع التقليدي. ومع الوقت تحوّل هذا المشروع إلى مصدر دخل مهم بل أصبح يحقق لها أكبر مدخول داخل العائلة.

تكمن أهمية هذه القصة في أنها لا تعكس فقط نجاح مشروع اقتصادي صغير بل تعبّر عن تحول اجتماعي أعمق بانتقال امرأة من موقع التابع داخل محيط عائلي محافظ نسبيًا إلى فاعلة اقتصادية مؤثرة قادرة على اتخاذ القرار وإقناع أسرتها وخلق قيمة مضافة من مورد محلي بسيط. لذلك كانت هذه اللحظة من أكثر اللحظات دلالة، لأنها أظهرت كيف يمكن للدعم الموجّه أن يفتح المجال ليس فقط لتحسين الدخل بل أيضًا لإعادة تشكيل العلاقات داخل الأسرة والمجتمع المحلي.

 

5. ما النصيحة التي توجهونها إلى منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية الراغبة في خوض تجربة متابعة وتقييم المشروعات الممولة من المؤسسات المالية الدولية؟

 

تجربة تقرير TRACE تظهر أن أفضل نقطة انطلاق هي منهجية مزدوجة تجمع بين تحليل الوثائق والمقابلات مع المسؤولين والمسح الميداني مع المستفيدين وغير المستفيدين. هذا الدمج هو الذي يسمح بكشف التناقضات فالأرقام الرسمية قد تبدو إيجابية لكن المقابلات الميدانية تكشف مشاكل في الشفافية أو الانتقاء أو التأخير أو عدم معرفة الناس بحقوقهم وآليات التظلم.

لا يجب التركيز فقط على النتائج الكمية مثل عدد المستفيدين أو فرص العمل بل من المهم الاعتماد على تقييم جودة الحوكمة  ( كيف تصل المعلومة؟ من يعرف بآلية الشكوى؟ من تم استبعاده ولماذا؟ وهل الإجراءات مفهومة وعادلة؟ لأن الدرس الأهم من التقرير هو أن المساءلة ليست فقط تتبع الأموال والنتائج بل أيضا تتبع تجربة الناس مع المشروع.

وأخيرا من المهم الانطلاق بعينة محدودة لكن متنوعة للتمكن من بناء خبرة واقعية قابلة للتوسع لاحقا مع الحرص على التوثيق الجيد وضمان السرية الاستماع الجيد للمستفيدين وإعطائهم مساحة للتعبير بحرية واكتساب ثقتهم لأن هذا ما يمنح العمل مصداقيته ويحوّله من نقد عام إلى مساءلة قائمة على الأدلة.

 

Sharing is caring!