من ثلاث آليات إلى آلية واحدة: ماذا تعني منظومة المساءلة الجديدة في مجموعة البنك الدولي؟
في 9 يونيو/حزيران 2026، وافق مجلس إدارة مجموعة البنك الدولي على إنشاء آلية مساءلة موحّدة تجمع آليات المساءلة الثلاث القائمة حالياً ضمن هيكل مؤسسي واحد.
وستُدار الآلية الجديدة من قبل نائب رئيس/مدير عام، وترفع تقاريرها مباشرةً إلى مجلس الإدارة، كما ستجمع وظائف الامتثال، وحل النزاعات، والعمل الاستشاري ضمن إطار مؤسسي واحد.
وكانت مجموعة البنك الدولي تعتمد حتى الآن على ثلاث آليات للمساءلة: لجنة التفتيش وخدمة حل النزاعات المعنيتين بمشاريع البنك الدولي، ومكتب أمين المظالم الاستشاري لشؤون الامتثال المعني بمشاريع واستثمارات مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار.
ويمثل هذا القرار تطوراً مهماً بالنسبة للمجتمعات المتضررة من المشاريع الممولة من مجموعة البنك الدولي، إذ تشكل آليات المساءلة في كثير من الأحيان المسار المستقل الوحيد المتاح للمجتمعات التي تسعى إلى إثارة المخاوف المرتبطة بالأضرار الناجمة عن هذه المشاريع والمطالبة بالمساءلة والمعالجة.
وكان تحالف آراب ووتش قد نشر في وقت سابق مقال استعرض خلفية عملية المشاورات والخيارات المطروحة آنذاك بشأن مستقبل آليات المساءلة في مجموعة البنك الدولي.
مشاركة تحالف آراب ووتش في المشاورات
على مدى الأشهر الماضية، شارك تحالف آراب ووتش بفاعلية في النقاشات والمشاورات المتعلقة بمستقبل منظومة المساءلة في مجموعة البنك الدولي، مستنداً إلى خبرته في دعم المجتمعات المتضررة من المشاريع التنموية في المنطقة العربية ومرافقتها في مسارات المساءلة المختلفة.
وشمل ذلك المشاركة في جلسات التشاور واللقاءات مع موظفي مجموعة البنك الدولي، وممثلي آليات المساءلة، ومنظمات المجتمع المدني، وأطراف أخرى معنية بالعملية. وسعى التحالف من خلال هذه المشاركات إلى نقل تجارب المجتمعات المتضررة ومنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية، لا سيما في السياقات التي تواجه تحديات مرتبطة بضيق الحيز المدني، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، واختلال موازين القوة بين المجتمعات المتضررة والجهات المنفذة للمشاريع.
كما قدّم التحالف ملاحظاته إلى فريق العمل المستقل المكلف بإعداد التوصيات المرفوعة إلى مجالس إدارة مجموعة البنك الدولي.
وفي حين ركز جانب كبير من النقاش على النماذج الهيكلية المقترحة، شدد التحالف على أن التحديات الأبرز التي تواجه المجتمعات المتضررة لا ترتبط بالهيكل المؤسسي للآليات بقدر ارتباطها بفعالية المساءلة في الممارسة العملية.
وسلطت تعليقات التحالف التحالف الضوء على عدد من القضايا الرئيسية، من بينها استجابة الإدارة لنتائج التحقيقات، والتباينات القائمة بين سياسات آليات المساءلة المختلفة، والعوائق التي تحد من وصول المجتمعات إلى هذه الآليات، والحوافز المؤسسية التي قد تدفع نحو إدارة المخاطر المرتبطة بالسمعة بدلاً من معالجة أسباب الضرر، إضافة إلى الفجوة المستمرة بين نتائج المساءلة والمعالجة الفعلية للأضرار التي تتعرض لها المجتمعات.
كما دعا التحالف إلى إعطاء الأولوية لتعزيز السياسات، وضمان تحمّل الإدارة مسؤولية الاستجابة للنتائج ومعالجة الأضرار، وإزالة العوائق التي تواجه المجتمعات في الوصول إلى آليات المساءلة، مؤكداً أن نجاح أي إصلاح ينبغي أن يُقاس بمدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة للمجتمعات المتضررة، لا بمجرد التغييرات المؤسسية أو الإدارية.
↵تعليقات تحالف آراب ووتش المقدمة إلى فريق العمل
المرحلة المقبلة: إعداد الإطار الجديد واختيار قيادة الآلية
مع حسم قرار إنشاء آلية مساءلة موحّدة، ينتقل التركيز الآن من النقاش حول الهيكل المؤسسي إلى كيفية تصميم وتشغيل الآلية الجديدة.
وقد أعلنت مجموعة البنك الدولي أن الإطار الناظم للآلية الجديدة سيُطوَّر تحت إشراف مجالس الإدارة وبالاستناد إلى مبدأ عدم التراجع. غير أن كيفية ترجمة هذا الالتزام إلى سياسات وممارسات ملموسة ستظل من أبرز القضايا المطروحة خلال المرحلة المقبلة.
ولا تزال العديد من المسائل التي أثيرت خلال المشاورات بحاجة إلى إجابات واضحة، من بينها:
- تسهيل وصول المجتمعات المتضررة إلى آلية المساءلة الجديدة.
- مواءمة سياسات الآليات السابقة وفق أعلى المعايير القائمة عند صياغة الإطار الجديد.
- استجابة الإدارة للنتائج والتوصيات الصادرة عن الآلية.
- تطوير وتنفيذ إطار الإجراءات التصحيحية.
- التطبيق العملي لمبدأ عدم التراجع.
وفي موازاة ذلك، أعلنت مجموعة البنك الدولي بدء عملية اختيار نائب الرئيس/المدير العام الذي سيتولى قيادة الآلية الجديدة.
وانطلاقاً من أهمية هذا المنصب، انضم تحالف آراب ووتش إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني الدولية في رسالة مشتركة موجهة إلى مجلس إدارة مجموعة البنك الدولي بشأن عملية الاختيار.
وتؤكد الرسالة أن الالتزام بمبدأ عدم التراجع يجب أن ينعكس ليس فقط في السياسات الجديدة، بل أيضاً في عملية اختيار قيادة الآلية. كما تدعو إلى اعتماد عملية اختيار شفافة وتنافسية وتشاركية، تضمن مشاركة فاعلة للمجتمع المدني، انسجاماً مع الممارسات المتبعة في التعيينات السابقة لمكتب أمين المظالم الاستشاري لشؤون الامتثال.
وترى المنظمات الموقعة أن اختيار أول نائب رئيس/مدير عام للآلية الجديدة سيكون من أكثر القرارات تأثيراً في هذه المرحلة، نظراً للدور الذي سيؤديه في ترسيخ استقلالية الآلية ومصداقيتها وفعاليتها خلال السنوات المقبلة.
المرحلة المقبلة
لقد حُسمت مسألة الهيكل المؤسسي، لكن الأسئلة المتعلقة بفعالية المساءلة ما زالت مطروحة.
فنجاح الآلية الجديدة لن يُقاس بشكلها التنظيمي أو الإداري، بل بقدرتها على الوصول إلى المجتمعات المتضررة، وضمان التعامل الجدي مع نتائجها، وتحويل تلك النتائج إلى إجراءات ملموسة، وتوفير معالجة فعالة للأضرار التي تتعرض لها المجتمعات.
وسيواصل تحالف آراب ووتش متابعة هذا المسار والمشاركة فيه، والدفاع عن منظومة مساءلة أكثر استقلالية وفعالية واستجابةً لاحتياجات المجتمعات التي أُنشئت من أجل خدمتها.